dimanche 13 mars 2011

.فصل من رواية الذروة للكاتبة ربيعة جلطي

فصل من رواية الذروة للكاتبة ربيعة جلطي
 
أغلقتُ الباب دوني، هكذا. أنت أيضا يحدث لك أن تغلق الباب دونك. أعرف! يحدث أن تلملم زغب ذاتك المنفوش، مثل عصفور وقع من عشّ أمه، أعزل إلا من ألوان عيون القطط، ألوان جميلة للموت. كيف السبيل إلى العودة إلى عشّ أمه وغلق الباب دونه؟ أعرفك. أنت أيضا يحدث لك أن تغلق الباب دونك. تهرب بذاتك إلى ذاتك، تفكّها من مخالب الدنيا كما تفعل بمنديل حرير انسدل في غفلة منك فعلق بكومة شوك. تفكّ أطرافه بحذر ولطف. هكذا بمنتهى اللطف. تسلّ أطراف ذاتك المتعبة من ملكوت الضجيج. تجذبها  إليك بكل ما أوتيت من صبر. تسحبها من ممرات الهواء والثقوب والشقوق ثم تغلق.
- أليس كذلك؟
بلى! تغلق الباب دونك. تبدأ في لعق جروح ذاتك بيسر. تقشّرها من بقايا قروح قديمة ظلّت عالقة بطبقات الروح منك. تركن إلى زاوية بكماء تصغي إلى أنينها، ثم تمسح دموعها بعد أن تجهش على صدرك مديدا. وبرفق تغوص بها في حوض ماء الزهر، ومثل أميرة تدعك أطرافها بالعطور وتسمعها أرقّ الأغاني وأعذب الكلام.
تظل تهدهد ذاتك إلى أن تبتسم مثل شجرة عطشى يفاجئها المطر فيتأوه تحت جذعها التراب. تلفّها في فوطة دافئة، تحملها بين ذراعيك، تتأكد من انفراج اساريرها ومن هدأتها قبل أن تفتح بابك من جديد لعجاج  المدينة الأهوج.
أن تغلق الباب دونك للحظات، فأنت تريد الاقتراب من حقيقتك في سرّيتها التي لن تفشو بها لأحد آخر غيرك مهما دنا. أن تشاهد ضوءها الخافت عن قرب. أن تتعرف اليها عارية إلا منك، بعيوبها ومفاتنها.
- افتحي الباب يا أندلس، افتحي الباب.
لم أكن أردّ على أحد. كنت في حوار جادّ مع ذاتي، أجالسها وأصفّي حساباتي معها كي لا أنتحر، وتصفّي حساباتها معي كي لا تجنّ، فلا نتخاصم ولا نتقاطع إلا نادرا.
تعلمتُ هذا منذ سنيّ المراهقة، حين كنت أحاول أن أفهم سرّ وشوشات أفراد العائلة، وهمساتهم، ولفتاتهم، وضحكاتهم الغريبة من عادة عمتي زهية.
لماذا تأخذ زهية باهتمام الكثيرين؟ لماذا ينظر إليها جميع من حولها بمزيج من ماء التقديس ودقيق الغيرة؟ ألجمالها وشبابها، أم لأناقتها، أم لأنها المترجمة الشخصية للزعيم والموظفة السامية في قصره لسنوات؟
جميع أفراد العائلة الموزعة في جغرافيا البلد أو خارجها يتناقلون بسرية تامة ونكهة مرح، أخبارها وسر احتفاظها بمنصبها ولياقتها وابتسامتها، على رغم تعاقب الحكومات وروائح أفواه الوزراء، واختلاف أحجام مؤخراتهم، وطبائعهم، التي يجرجرونها من دشورهم أو قراهم أو مدنهم الداخلية النائية.
زهية متميزة. تعترف لها العائلة بذكائها وشخصيتها  القوية. ميزتها الكبرى نهمها للقراءة وعشق القواميس. قواميس عتيقة مصفرة ترجع طباعتها إلى أواسط القرن الماضي، ذات رسوم توضيحية وتفسيرية دقيقة  بكل الأحجام والألوان، وقواميس أخرى حديثة بادية الفخامة، قواميس ضخمة بأوراق رقيقة شفافة وأخرى صغيرة في حجم الكف. القواميس الأقزام، هكذا تسمّيها، زهية.
كانت زهية تتعامل مع القواميس في منتهى الرقة. بعد أن تنتهي من استعمالها، تضعها بعناية على الرفّ، تم تنظر إليها بحنان فيّاض.
لم تكن زهية تنضمّ إلى مجالس نساء العائلة عند الظهيرة أو في المساء لتثرثر كالأخريات، ولم تكن تُرى خارج عملها إلا وفي يدها كتاب تقرأه في منتهى اللهفة، وحين تنضمّ إلى مجلس المائدة فسيكون في ركن ما قريب، كتاب مفتوح منكبّ على وجهه ينتظرها، تضع أحيانا كثيرة كعلامة على الصفحة المنتظرة، مشبكا من مشابك شعرها الذهبية أو الفضية. تسلّه من تسريحتها ليعضض على الصفحة المبتغاة،  ينتظرها ريثما تعود إليه.
وأنا أراقب من يراقبها، أزداد إعجابا بشخصية عمتي زهية وأستحسن كل ما تقوم به.
كنت في بدء مهبّ عاصفة المراهقة.
في غيابها أداعب قواميسها وأفتح كتبها العديدة. أوراقها بين أصابعي، وأسمع موسيقى خشخشتها وكأنها تفضي اليَّ بأسرار خارقة ليس يعلمها أحد سوى عمتي زهية. كم كنت على عجلة من أمري لأفك ألغازها، وأخترق حجبها، وأرفع أستارها، فبدأت أحاول قراءتها جاهدة كي أدرك محتواها.
في غياب زهية ألبس أحذيتها الجميلة الملونة ذات الكعب العالي، وأقلّد مشيتها وحركاتها القلقة، فتنهرني جدتي لالة أندلس، وتضحك عمّاتي ويبتسم عمي  التاقي والباقون. عمتي زهية لطيفة الملامح، ضاحِكتُها. وجهها مريح وبشوش. عندما تنظر إلى وجهها تبدو لك الدنيا سائغة مثل حبة كرز، ومريحة مثل أريكة من سحاب، أو قل كأن العالم عصفور طليق جناحاه من قوس قزح، يدقّ على أبواب الصدور كل صباح، فتنشرح، وتتذكر أن الحياة فرصة وفسحة  جميلة.
لست أدري كيف فرضت زهية حقها في عادة  الاختلاء في الحمّام ساعة كاملة قبل ذهابها إلى العمل. ساعة كاملة، لا أحد يتجرأ أثناءها على الاقتراب من الحمّام أو فتح بابه. لذلك اضطرت العائلة إلى استحداث حمّام ثانٍ قرب الباب الخارجي. تدخل زهية  الحمّام، تغلق الباب دونها. رويداً رويداً يتعالى صوتها ليس بالغناء كعادة الناس تحت الماء، ولكن بصراخ الغضب والشجار. تسبّ وتلعن بأعلى صوتها وتسمّي أشخاصا بأسمائهم. علمتُ في ما بعد أنهم مسؤولون مهمّون في السلطة وتسيير أمور البلد، هؤلاء الذين ستلقاهم خلال يوم العمل الجديد هذا، أو تكون على موعد عمل معهم  في الساعات المقبلة.
حين تدخل زهية قاعة الحمّام، تحمل إضافةً إلى حقيبة يدها، بعض الملفات والصور، وأدوات أخرى تخفيها عن العيون. تغلق زهية الباب دونها بعد أن تدير المفتاح مرتين، بينما لا يظهر لنا أنا وفتحي ابن عمي من اختلائها غير ما يبديه ثقب المفتاح.
في غفلة من الكبار، كنت برفقة فتحي ابن عمي، نسترق النظر إليها من ثقب الباب. الحقيقة أن ثقب الباب لم يكن سخيا معنا ولكن ليس مهما. خيالنا الفتي الخصب، يكمل ما ينقص المشهد بما يرضي الفضول.
تلصق زهية صورة الواحد من شخصياتها على مرآة الحمّام الكبيرة، تدخل معه في حوار عن أمر ما، عن مسألة تبدو جادة في البداية، ثم لا تلبث أن تكيل له السباب بأعلى صوتها، وتبصق عليه، وتهينه، وتأمره، وتنهاه، وتوبخه، وتشزره، وتنهره، وتحذّره من نطق كلمة:
- أسكت يا كلب، يبدو أنك صدّقت أنك وزير. كيف لك أن تكونه وأنت على ما أنت عليه من الغباء والشطط.  أنت لست أكثر من ذبابة زرقاء، الأحسن لك أن تبيع بعر الماعز إذا وجدت من يشتريه، ذاك ما يليق بك تماما. يا له من بلد، ويا له من زمن أغبر بئيس أصبح فيه أمثالك مسؤولين عن مصالح الناس! أغلق فمك. لم أكمل كلامي ولم أسمح لك بالكلام.
أما الزعيم صاحب الغلالة، فتناديه باسمه الخاص، وتسمعه ما لا يسمع بلغات مختلفة، العربية منها ولغات أخرى، ربما كانت الفرنسية أو الإسبانية أو الروسية أو الإنكليزية أو الألمانية.
سمعتها ذات صباح تصرخ في وجهه:
- ألم تعلّمك أمّك الفطنة أيها الدبّ؟ أكان عليَّ أن أنبّهك إلى غلق فتحة سروالك؟ هذه ليست مهمتي. مهمتي غلق فتحات مخّك أيها الأجرب. ثم تنشب أظفارها في الصورة وتمزقها إرباً إرباً.
حمّامنا مأهول بالناس. ناس ليسوا كالناس. نتعرف كل يوم اليهم أكثر، أنا وفتحي ابن عمي، من خلف ثقب الباب، ونكاد نلمس وجوههم. نتأكد يوماً بعد يوم أنهم أشرار وخطيرون وظلمة وسيئون بدون قلب ولا إحساس. هؤلاء أنفسهم الذين نشاهدهم بكل أبهة على الشاشة، محاطين بالصحافيين والمصورين، أو وهم يمرّون في الشوارع، عائمة سياراتهم السوداء في  صخب صفارات الإنذار والأضواء، وحولهم الحرس على دراجات نارية ضخمة، أو داخل سيارات خاصة قلقة من أمامهم ومن خلفهم.
كم يحلو لنا أنا وفتحي ابن عمي عادة متابعة نشرة الأخبار المسائية مع الكبار، لم يكن يعرف أهلنا لماذا  كنا نتهامس ونعلّق ونشير بسبّابتينا إلى الشخوص على الشاشة، وكم يحدث أن نستلقي من الضحك ونحن نتابع معهم تحركات الزعيم صاحب الغلالة ونشاطاته، والسادة الوزراء والمسؤولين الكبار والحجّاب، ونسترجع معرفتنا السرية بهم وبأخبارهم الغريبة كأنما نحن نتفرج على رسوم متحركة أو فيلم هزلي. تنهرنا جدتي وتجبرنا على ترك الصالة، ليتسنى لهم متابعة  نشرة الأخبار الرئيسية في هدوء وتركيز. نخرج على مضض ثم نعود إلى قفل الباب كي لا تفوتنا تفاصيل النشرة المسائية.
ككل صباح، تكوّر زهية المناشف على حافة المغسلة، تجعلها على شكل رؤوس ووجوه أشخاص تشبه أحجام رؤوس الشخصيات المهمة، وألوان شعورهم. فمنها البيضاء المشتعلة شيبا، ومنها الصفراء بالصلع، ومنها السوداء والحمراء والرمادية. فتسمّي أصحابها،  تصفّهم الواحد جنب الآخر، وتوجّه ضرباتها إلى عيونهم وأفواههم، فتسمل لهذا الوزير عيناً، وتكسر لذاك المدير سنّاً، وتحطم لتلك المستشارة فكّاً، وتشتم رئيس الحكومة شخصيا، ثم تهشّم رأس الصحافي الذي يجري تقريرا يسمّيه حساساً وبالغ الأهمية، يسمّيه تقرير العصر حول حرية الرأي المسترجعة في عهد الحكم الراشد. تنهي زهية رأس الصحافي/ المنشفة تحت رجليها، تسحقه بلا رحمة:
- أأنت أعمى أم أحمق؟ عن أيّ حرية تتحدث في هذا الحبس الكبير أيها الحمار؟
تضع زهية المناشف (الرؤوس) المهشمة في سلة الثياب المتسخة، تنفض يديها منها، بل منهم، ثم تغتسل في هدوء. وبعد لحظات صمت تفتح الباب.
تخرج زهية من الحمّام صامتة، هادئة، مبتسمة كالعادة، بعد ساعة من المعاناة والمشاجرة. طبعا لم تعلم بوجودي وفتحي ابن عمي خلف الباب. تلبس بذلتها الجميلة وحذاءها الملوّن بكعب عال، تمشّط شعرها، وتضع زينتها وماكياجها المتقن، ثم عطرها المنتقى الفاخر فوق ابتسامتها الهادئة. ابتسامة وهدوء أذهلا الجميع حولها، وزاداها جاذبية غامضة وساحرة.
تقول عمّاتي:
- زهية عندها الزهر يشقف الحجر!
حظّها وافر في كثرة الخطّاب، وجميع خطّاب ودّها من الرجال المهمين في المجتمع. عمّاتي منزعجات وقلقات جدا لخشيتهن من كثرة رفض زهية لخطّابها، متخوفات من أن تضيع فرص مهمة في حياتها ثم تصبح عانساً.
هل زهية عندها الزهر يشقف الحجر؟
على أي حال، لم يخطئوا في بيتنا حين أطلقوا على ذلك الصيف من تلك السنة “صيف زهية”. كان صيفا يشبهها. يأخذ عطر فاكهته من فاكهتها. كيف يشبه فصل الصيف امرأة؟ أو رجلا؟ كيف يشبههما معا؟ نعم. “صيف زهية” لا ينسى. لا تزال روائحه تختبئ في ثنايا ذاكرتي. صيف معطر. للمرة الأولى أعلم أن للشمس رائحة. رائحة تشبه عطر الخزامى، أو قل رائحة القهوة حين تخرج لتوّها من الطاحونة. تتدفق  رائحته إلى داخل زوايا البيت من النوافذ والشرفات والأبواب.
بدا البيت لي رحباً ومبهجاً آنئذ. امتلأ غناءً ورقصاً. لم أكن من قبل قد رأيت عمّاتي بمثل هذه الأناقة، يرقصن بكل هذين الإتقان والشموخ. اكتشفت أنهن مختلفات في ميولهن الطربية والموسيقية.
نهضت عمتي الكبرى كلثوم تحت التصفيقات وشلالات الزغاريد تتبع حركتها العيون اللماعة الغمازة. اعتدلت في وقفتها ثم بدأت تميل على جنباتها في بطء وشموخ وكأنها نخلة تراقصها الريح، وقد أسكرها الإيقاع الأندلسي وصوت المطرب الشيخ غفور:
لمن نشكي بليعتي        عيدولي يا اهل الهوى
آش عيبي وذلتي          خلوتي خاطري انكوى
شعلت نيران مهجتي       ضيعت القلب ما قوى
أضحت عمتي كلثوم وكأنها في عالم ثانٍ مواز. تلوّح بيديها في إيقاع متزن، وترفع قدميها عن الأرض قليلاً قليلاً وكأنها تجرّب أن تطير. عيناها مفتوحتان إلا أنها تبدو كأنها لا ترى أمامها أحدا. كانت في عالمها الخاص، عالم مجهول.
عمتي مريم، من جهتها، لا تلهبها سوى الموسيقى الغربية، أو إيقاع الراي السريع، فلا يتحرك منها سوى نصفها الأسفل حتى لتكاد تحلف وتقسم أن مؤخرتها تترجرج من دون إذن أو تحكّم منها ولا حول لها ولا قوة عليها وكأنها عجلة مجنونة انفصلت فجأةً عن شاحنة كانت تجري بسرعة فائقة:
“طريق الليسي ويا دلالي
طريق الليسي عقبة وكي عياتني… يانا
يا راااااااي يا رييييييي…”.
صوت الموسيقى يطغى على كل هرج، يطغى على كل الموجودات ويصل إلى أبعد نقطة. المدعوون الكثر يبدون مرحين. يبتسمون، ونادراً ما يتكلمون، وإذا ما فعلوا يميل بعضهم على آذان بعض، يرفعون أصواتهم بشدة. أو ينظرون مبتسمين إلى شفاه بعضهم البعض وعيونهم، يحدقون اليها كي يفهموا مغزى الكلام. يبتسمون. نعم يبتسمون.
الابتسام نادر في هذه المدينة. ملامح الناس تبدو حادة وقاسية، يقترب الحاجب الأيسر من الحاجب الأيمن هكذا. فتبدو النظرة قاسية في عمق العين هكذا. وتزمّ الشفاه. ربما من خوف أو قلق. مع السنين يرتسم قناع من الشراسة عليها إلى الأبد.
ضيوفنا يبتسمون، يبدون في كامل التناغم والانسجام.
أهو فرح عرس عمتي زهية الذي أثّر فيهم، أم هي القوة الايجابية المنبعثة من شخصيتها مثل موجات غامضة؟ أم هو المفعول السحري للموسيقى؟ على كل حال، إنه صيف زهية!
أطباق الحلوى والفواكه وصواني المشروبات اللذيذة الملونة تدور على نساء ورجال في كامل أناقتهم. حضرت شخصيات سياسية وديبلوماسية مهمة، سبق لي أن شاهدت صورهم على شاشة التلفزيون. همس فتحي ابن عمي في أذني وهو يومئ لي مشيرا إلى أحدهم:
- أندلس… أندلس، أنظري ذاك القادم. إنه هو. هو!
-  من؟ تقصد من؟ قلت بلهفة وأنا أستدير بسرعة.
- ذاك الذي تسمّيه زهية كرش الحرام. أتذكرين يوم داست رأسه حتى تمزقت المنشفة الزرقاء؟
- أذكووووور… إذاً هو ذاك كرش الحرام. “فرشخت” زهية رأسه ذلك الصباح، وحذّرته من الاختلاسات من طريق تضخيم فواتير ترقيع المؤسسات المفلسة.
-  وذاك الذي خلفه هو طوطو الكذاب.
- أنظر… أنظر فتحي! يا إلهي، كرشه ضخم ألا يعوقه في النوم؟ نتوارى خلف إحدى ساريات الدار ونضحك ملء رئتينا الفتيتين.
كان من بينهم أبو حدبة المرتشي، والدلاقة الشياتة، والثعلب الأعور، وشاشي المبيوع، وسعد الانبطاح وغيرهم. جميعهم تعرّفنا اليهم وتفرسنا في وجوههم عن قرب، أنا وابن عمي فتحي.
أنا وفتحي وحدنا نعرف أسرارهم، ونشعر بنشوة التميز على الجميع بذلك. وجدنا في التعرف اليهم ورؤيتهم عن قرب خارج المناشف، وخارج شاشة التلفزيون، تسلية ومرحا. لم نتوقف عن التنافس في ما بيننا بصوت خافت ونتسلى. من يسبق الثاني في سرد ما يعرفه عن كل واحد منهم، واستعادة ما اكتشفناه فيهم من خلال قفل باب الحمّام.
- غمرت بيتنا باقات الزهور من كل الأنواع، عليها بطاقات موقّعة باهتمام واعتناء كبيرين، اكتسى البيت جوا بهيجا، يتحرك فيه كل شيء: الأجسام، والأواني، والطعام، والشراب، والعطور.
زهية تبدو مثل ملكة في لباسها الأبيض. كان الفرح يندفع أمواجا أمواجا من عينيها، وهي تنظر بملء ضوئهما إلى عريسها. لا ترى غيره. تضع يدها في يده. ينحني بين حين وحين عليها. يفضي إليها بشيء ما فتضحك، ويتسلق الضوء وجهها كأنما يلفّهما منديل من الحرير الهندي أو حزمة من نور، أو غيمة زرقاء تمطر عليهما وحدهما من غير الحاضرين زخّات من عطر نادر.
لم يعد يخفى على أحد تدافع موجات العشق الجارف لهما.
صحيح أن عماتي يرددن دائما:
-  زهية عندها الزهر يشقف الحجر.
لكن كل هذا الزهر وتختار عريسها صياداً بسيطاً يسكن على شاطئ بوزفيل؟!
تناقلت نساء العائلة أطراف حكايات غريبة عن العلاقة السرية التي جمعت زهية بحبيبها لسنوات عديدة، من دون علم أحد. قيل إن أصوله من عائلة يهودية عريقة تدعى آل كرز، عائلة ظلّت لزمن طويل ممتد على ألفة مع البحر المتوسط. هاجرت عائلة آل كرز نحو شواطئ المغرب الأوسط بعد سقوط دولة بني الأحمر، ولزمن طويل تعاطى أفرادها تجارة الحرير والآلات الموسيقية، ثم شيّدوا في حاضرة مستغانم، أو مسك الغنائم، أو مستغالم – كلٌّ ينطق اسمها كما يشاء – بيوتا جميلة مستوحاة من هندسة قصور بني الأحمر. استقروا على الشاطئ المفتوح المنبسط مثل كفّين حنونتين. مستغالم، الحظية التي عشقها الرومان والفينيقيون، ثم جاء الأندلسيون فتفننوا في التماس ودّها، فمنحوها حياتهم بسخاء العاشق واستماتته، وحوّلوها حاضرةً تعيش في أكمام من الترف والنعيم، وظلوا يدفعون للأتراك الضرائب المرتفعة وكأنهم يفدون مدينتهم بالنفيس، وعلى الرغم من أن الأمير عبد القادر صدّ جيوش الاحتلال الفرنسي عنها لفترة إلا أنهم دخلوها عام 1833.
اضطرت عائلة آل كرز بعد الاستقلال إلى معاودة الهجرة نحو إسبانيا. رآهم وهو طفل صغير يتباكون وهم يركبون البحر إلى أليكانت.
مات أبوه حسرة على هواء مستغالم وشمسها وأيامها، وظلت أمه تقلب الصور وتجوب غرف الخيال الموجع بعين دامعة. تعيد شريط حياتها، هي التي ولدت في مستغالم حيث ولد أجدادها، وأمها، وأبوها. وحيث تزوجت وحيث أنجبت. لم تبرحها قط حتى ذلك اليوم المشؤوم.
ظلت بعد وفاة زوجها تتلقفها الذكريات ما بين هدهدة لذيذة، وهد كاسر موجع. ظلت كل سبت تدلف إلى مقبرة مدينة مرسية، تجلس إلى قبر زوجها، تردد له بصوت منفخض أشعار سيدي لخضر بن خلوف، وأغاني المالوف إلى أن اضطجعت قربه إلى الأبد بسرعة البرق.
ترعرع ابن آل كرز على الحنين الجارف لمستغالم. المدن مثلنا أيضا، تقول جدتي لالة أندلس. مثل قاطنيها. والمدينة هذه، منذ أن وجدت وهي قابعة أمام البحر تشكو إليه مواجعها، وتحاول جاهدة، من دون جدوى، أن تسلّ قدميها من فردتي حذائها الذي يغمره الماء.
ظلت مستغالم تنادي آل كرز، بأحيائها النائمة تحت عباءة البحر الأبيض المتوسط، بحدائقها وأبوابها الأربعة. بأسوارها الناطقة وببذخها وجبروت جمالها. ظلت ساكنة فيه يشير إليه بحرها، وبرها، وسماؤها. بعدئذ لم يصبر. تعاظم الشوق فيه واستكبر إلى أن قرر الرجوع إليها. جاب شوارعها وحاراتها وأزقتها، ثم تنقل بين المدن الساحلية، فحقق مكانته في أوساط الصيادين والبحارة.
لم يترك البحر البتة.
إنه يعشق البحر لأنه قدره في جزره ومده، في ذهابه وإيابه، في شطآنه وأغواره. ذلّ أهله وأبكاهم، وأسرهم وأضحكهم، أسعدهم وأشقاهم، سقاهم العسل وجرّعهم العلقم أليس هو الشاهد على تعاقب الحضارات في قيام مجدها، وأفول نجمها؟ شاهد على الحروب الغبية؟ شاهد على مآسي الناس وأحزانهم واعتصار قلوبهم. تفرقهم العصبية الحمقاء ويشتتهم الغباء واللاتسامح. شاهد على مرورهم المر وهم يعبرونه ذهابا وإيابا فوق سفنهم المطأطئة الحزينة. شاهد على إصرارهم أن يتشبهوا به في هدوئه وعنفه، في لينه وقسوته، وفي وضوحه الملغوم وغموضه، في سماحته وغدره، وسكونه وهيجانه وثورته. هو البحر إذاً، شاهد على تسلق الشمس سلالم السماء، ثم نزولها برفق إليه ترتمي بشوق في مياهه، تغتسل من عناء نهار ومما  رأته من  أوجاع الناس.
اختارت زهية ابن آل كرز الذي لا يبرح بحراً إلا إلى بحر. يتلمس شقوقا به تركتها سفن أهله. مرات ذهابا، ومرات إيابا، باكين مكسوري الخاطر. اختارت زهية ابن آل كرز بعدما شغفت بحكاياته عن أمه، ومسقطها. عن أيام عمرها الجميلة الوديعة في مستغالم، وعن الليالي المؤنسة، وعن سهرات ملأتها النساء، مسلمات عربيات وأمازيغيات ويهوديات، يجمع بينهن الحب العظيم المكلل بالفرح. يغنين ويطرزن الفساتين الجميلة، ويطبخن معا الكسكسي والدفينة وأطباقا عربية وأمازيغية ويهودية، ويحتفلن بالأعياد الدينية  جميعها معا. يسهرن، ويحضرن أعراس بعضهن البعض ومآتمهن معا، ويتعلمن فنون الأنوثة، والتجمل والأناقة، والتربية، والمكر، والمنكر، والأخلاق العالية.
كانت أم آل كرز تقلب المواجع اللذيذة، تذكر لابنها  أسماء جاراتها المسلمات واليهوديات، وأسماء آبائهن، وأمهاتهن، وأزواجهن، وأطفالهن، وجميع أفراد عائلاتهن الكبيرة. كانت تعرفهم جميعا فردا فردا. تتذكر حكايات العشق والسمر والسهر. كبروا أمام ناظريها حول مائدة واحدة. ألم يأتوا معا ذات نكسة من خلف البحر الأبيض المتوسط؟ ألم يحطّوا معا حمل قلوبهم الثقيل على شواطئه؟ هم مجبولون على العيش معا. تعمق في ذاكرتهم الجماعية أن البحر الأبيض أبوهم وأن الأرض السخية أمهم. يسكنون بيوتا كبيرة بسيطة على الرغم من بذخ الزخرفة عليها. مليئة بالأشجار. يتخللها الماء من كل مكان، يجري رقراقا في السواقي. غرف مقابل غرف، تقابلها أشجار النخيل والليمون والكرز.
أطفال يأكلون على مائدة الجارة من دون تمييز. كل أمّ هي أمّ ثانية يلجأ إليها الصغار من دون تفرقة، يشبعون ويرتوون بين يديها ثم يصلّون لله، لإله واحد، كلٌّ بطريقته. كان الله هناك قريبا منهم. فما الذي جرى يا ترى؟ من سوّد القلوب البيضاء الناصعة؟
حكى ابن آل كرز لعروسه زهية عن  أمه  التي لم تنس ذلك الشتاء الكئيب، حين استيقظت المدينة على حادثة غريبة وخطيرة: شبان مسلمون في الحمّام الشعبي يباشرون شابا يهوديا بكلام غريب:
- لتذهب إلى بلدك أيها اليهودي!
- بلدي؟ أيّ بلد؟ هذا هو بلدي. أنا في بلدي. أجاب واثقا.
- لا… بل بلدك فلسطين. اذهب إلى فلسطين بلد اليهود!
- أيّ فلسطين؟ أنا لا أعرف بلداً لي غير هذا. أنا لا أعرف فلسطين ولا مكانا آخر في العالم، وفلسطين لا تعني لي شيئا!
- لا، بل عليك أن تذهب إلى بلدك بلد اليهود فلسطين. أنت لست منا!
- هل جننتم؟ لم أسمع أحدا من عائلتي من قبل يتكلم عن فلسطين. أنا لا تهمّني فلسطين. بل هذا هو بلدي وبلد أجدادي. مثلكم تماما ولم أعرف غيره ولن أبرحه. هذا هراء!
واشتدت المشاجرة، حمل الشبان الفتى اليهودي وألقوا به في البرمة الساخنة للحمّام، فمات على الفور. عقب الحادثة المروعة، أصاب أهل المدينة رعب وذهول. ما الذي يجري في المدينة الهادئة المتسامحة؟ ما الذي يحلّ بالقلوب تحت سماء الله؟ أبدأ السمّ الزعاف يسري في حبل السرة الذي كان يسقيهم حليب المودة وعسل الحب؟ هل سمّم الفرنسيون الوافدون سماءهم بقانون “مشروع مارشال” بتـخصيص اليهود بالجنسية الفرنسية، وبالتالي إحداث تمييز وشرخ بل جرح لا يلتئم في قلوب الناس؟ أفرّق تسد؟
كان يحلو لآل كرز أن يقصّ على زهية حرقة دمع أمه، وهي تحكي ما جرى. يصوّر لها كيف كانت تأخذه في حضنها تهدهده، تدسّ رأسها في رائحة عنقه ثم وكأنها في عالم آخر تغنّي، أو ترتل دقات قلبها ما حفظه عن ظهر قلب:
ولقد رأيت في ما يرى النائم يا بني، مخلوقات من آكلي البشر، يجرجرون أمعاءهم خلفهم، غليظة، لزجة، مكتنزة، ممتلئة، مقززة. تنزلق أمامهم ووراءهم وعلى جنوبهم، من أسنانهم المدببة يتقاطر سائل أحمر، يزرعون الذعر حيثما حلّوا… وحيثما حلّوا تندلع الحروب وتندلع رائحة الموت. يهرب الناس منهم، رجالا ونساء وأطفالا، وتختبئ العصافير والفراشات والمصابيح، وتختبئ السفن الراسيات، وتختبئ الأغاني، وتختبئ النار في احتكاك الحجر. ولقد رأيت في ما يرى النائم يا بني، رأيت نساء مرتجفات، غاضبات، جميلات، حزينات، باكيات، ضاحكات… يتوارين خلف شقوق الوقت، عاريات على ضفة الرقاد، ينتظرن، ينتظرن انتظار بينيلوب في قصرها المحاصر المسحور، يغزلن ثم يفككن غزلهن، ثم يقطعنه إربا إربا، ينتظرن رجالا لطيفين، رقيقين، مهذبين، مبتسمين، ودودين، ليس يأتيهم العنف وليسوا يأتونه. ينتظرن فرسانا على أفراس بيضاء، باسطي الود والشذى واللطف الجميل. نساء عبر الدهور، وعبر الأغاني، وعبر القصور، والقلاع، والمجاري، وعبر اللاشيء… نساء ينتظرن على باب الذبول… مطلع التفاح. ولقد رأيت في ما يرى النائم، رأيت يوما يشبه القيامة. ضباب… ضباب. أناس مسرعون في كل صوب، يحاولون ستر عوراتهم، هلعين، فاغري أفواههم. يوم يشبه الرماد، لا شمس ولا ظل ولا ضوء ولا بحر. ولا جبل ولا ساقية ولا نجم ولا حجر. ولا طير ولا حدود ولا نهر ولا خيل. ولا سيف ولا ليل ولا بساط ريح. أناس رماديون متشابهون، يد الى الأمام وأخرى الى الوراء. يهرعون في اللاإتجاه، في اللاصوب.
سألت ملاكا لم يكن يبدو سعيدا بما يحدث:
- ما خطبهم يا سيدي؟!
فأشار بجناحه الأبيض الناصع إلى لوحة مكتوبة لا نهاية لضخامتها. كأنني استطعت أن أميز بعض حروفها العملاقة المنغرسة في اللامسافة: “الحرب”. إنها الحرب يا صغيري.
استطالت شوكة الحقد، نغصت على السيدة آل كرز طفولتها البريئة. أحدثت شرخا في قناعتها الراسخة بالانتماء إلى وطن ولدت فيه: مستغالم. لم يشد أهلها الرحال إلى فلسطين لأنهم لم يفكروا قط في بلد آخر غير مستغالم بلدهم. هكذا كانوا يسمّونه. هل زرعت الحادثة شكّاً؟ هل زعزعت هدأة النفوس؟ لماذا أصبح والدها عندما يتكلم عن “بلده” مستغالم يخفض رأسه ليخبئ دمعه؟ انغرزت شوكة الحقد إذاً مرة أخرى، وجرحت طفولة عريس زهية، كان يرى أبويه يقطعان البحر الأبيض المتوسط بعد الاستقلال. يبكيان العمر الضائع، ويحملان زادا من موسيقى الحنين من مستغالم مسقطهما، إلى مسقط آخر ملوك بني الأحمر. تدمع عينا زهية كلما استفاض حبيبها في ذكر التفاصيل. هل عاد ابن آل كرز عريس عمتي زهية ليعيد غرس شجرة أجداده من جديد؟ أم أنه قطع سرة البحر وبدأ حياة جديدة؟ ربما لهذا قال لعمي التاقي ولمن حضروا حين جاء يخطب عمتي زهية:
-  أنا أدين بخالق البحر.
هل أدرك أن أرواحهم تركت إسبانيا منذ مدة، ورجعت  إلى موطنها فشعر بالوحشة والوحدة بعدما ظل هناك وحيدا، بعدما عادوا أدراجهم ليستوطنوا أماكنهم العزيزة فتبعهم حيث هم في أماكنهم وبيوتهم وأرضهم؟
لماذا جبل على الالتصاق بالبحر المتوسط لا يبتعد عنه، صيادا ومتأملا؟ ألأنه يستأنس به، أم يتهيأ لانكسار ورحيل مرتقب أو لهجرة  أخرى؟
كانا جميلين يتهاديان في ثوب العرس. زهية تأخذ يد آل كرز، يبتسمان بإشراق لا مثيل له. نسيا الحرب ودق طبولها، نسيا البحر وأمزجته المتقلبة. واستسلما لسلطان جبار. الحب سلطان.
علّقت عمتي كلثوم على اختيار زهية لصياد زوجا لها، بدل الخطّاب العديدين الذين طلبوا يدها فرفضتهم على الرغم من كونهم من ذوي المال والجاه والمناصب المهمة. قالت متأففة:
- الله يسامحها زهية أختي… صامت شحال من عام وفطرت على بصلة!
قبل أن ينطلق العروسان إلى عشهما على شاطئ المتوسط، ودّعت زهية الجميع مبتسمةً وقد زادها الفرح ألقاً. وقع بصرها عليَّ بينما كنت أستند إلى زاوية حائط من الدار. أنظر إلى ما يحدث. فإذا بها تشير إليَّ بيدها، بقفازها الناصع البياض. تناديني:
- أندلس… أندلس، تعالي يا صغيرتي.
قبّلتني بحرارة، ثم ضمّتني إلى صدرها بحنان أمومة جارف لم أتعود عليه:
- تهلاي لي في روحك يا عزيزتي. ادرسي مليح. كل الكتب اللي خلّيتها اهنا فالدار انتاعك. خلّيتها ليك أنت.
فرحتُ. من اليوم أنا مالكة كتبها وقواميسها. لكن قلبي انقبض فجأةً. سوف لن تعود زهية إلى الحمّام كي تنظف ذاتها من أدرانهم. سوف لن تصرخ في وجوههم المتخيلة وتؤنب الجبابرة الظالمين وتوبخهم وتسخر منهم وتعاقبهم في غياب أي رادع لهم. سوف تظل المناشف ميتة جامدة من دون روح. سوف يصبح قفل باب الحمّام قفارا مهجورا.
كان صدري يضيق بي، يتزايد حجمه، كانت الرصاصتان الملتهبتان تفتحان بشدة ممرهما في أعلى نهديَّ. تواريتُ قليلا في الحمّام وبكيتُ بنشيج حارق، وحين استرجعتُ هدوئي عدت إلى زاوية جدار الدار  أرقب ما يجري.
سقط الليل، شبكت يد آل كرز يد زهية، وخرجا في موكب بديع يفيض بالدفء. توجها إلى سيارة العروسين في زفة وزغاريد.
كنت أراهما مثل طائرين أبيضين، مثل بجعتين تضع الواحدة عنقها على عنق الأخرى بحثا عن السلام والطمأنينة، حولهما عواصف مضمرة. كنت أشعر أن السلام والطمأنينة يملآن دواخلهما، يسريان ويملآن المكان، ويغمران الناس من حولهما.
ملأت الزغاريد الجو، أذهلني منظرهما وأنا ألمح سرباً من النجوم المتلألئة تنهمر من عيونهما، لا تلبث أن تتصاعد في طريقها لتستقر في السماء. لم تكن السماء تقطر إلا بهاء.
إنه صيف عمتي زهية ¶