dimanche 24 avril 2011

شعوبنا باتت تمتلك أم الفضائل.. الشجاعة

شعوبنا باتت تمتلك أم الفضائل.. الشجاعة


شعوبنا باتت تمتلك أم الفضائل.. الشجاعة 
د. فيصل القاسم
الشرق القطرية 
 2011 الأحد 24 أبريل



       كان الولد يشاهد التلفزيون، فإذا بالمذيع يظهر فجأة وهو على وشك أن يجهش بالبكاء ليعلن خبر موت زعيم البلاد، فأصيب الولد بنوبة هلع لم يعرف كيف يتصرف على أثرها، لكن بعد أن استجمع قواه ثانية أسرع إلى الحمام حيث كان والده يستحم بداخله، وراح يقرع الباب بطريقة جنونية طالباً من والده أن يفتح الباب، لكن الوالد صرخ غاضباً من الداخل قائلاً: "ماذا تريد أيها الأحمق، ألا ترى أنني أستحم"، فرد الولد قائلاً: "توقف عن الاستحمام فوراً، وافتح الباب، هناك خبر مهم جداً يجب أن أعلمك به". وبعد أن خشي الوالد بأن يكون هناك أمر طارئ وخطير، توقف عن الاستحمام، وخرج غاضباً ليسأل الولد: "ما المشكلة أيها المجنون"، فأجاب الولد:" لقد مات الزعيم"، فصرخ الوالد في وجه ابنه قائلاً: "اخفض صوتك أيها الأبله، اخفض صوتك لئلا يسمعك أحد، هل تريد أن تودي بنا إلى جهنم"؟ تصوروا أن الوالد كان يعتقد أن مجرد سماع خبر موت الزعيم من ابنه جريمة كبرى قد يُعاقب عليها عقاباً مرعباً. تصوروا أن الناس في وقت من الأوقات كانت تخاف شر خوف من أن تخبر بعضها البعض حتى بموت الزعيم، وكأن زعماءنا لا يموتون، والويل كل الويل لمن يعلن موتهم. تصوروا إلى أي حد كان الخوف معششاً في قلوب الناس.
لقد استطاع بعض الحكام العرب على مدى حوالي نصف قرن من الزمان أن يحولوا شعوبهم، بفعل القمع والإرهاب والبطش والتنكيل، إلى قطعان من الأغنام تخاف حتى من ظلها، أو كما قال الشاعر الكبير أحمد مطر، فإن بعض الشعوب "حتى صمتها من صوته يخاف.
لقد كان الناس يخافون خوفاً عظيماً من أن ينظروا إلى صور الزعيم المعلقة في الشوارع. لقد كانوا يرتعبون من مجرد مشاهدة تماثيله الكثيرة التي تملأ الساحات والميادين العامة لعل أحد مخبريه رأى شيئاً غير طبيعي في نظراتهم، فيختفون بعدها خلف الشمس. وكم كان البعض يموت من الخوف إذا وضع يده على صورة الزعيم بالخطأ في مكان ما. فتحريك صورة القائد من مكانها أو مجرد لمسها كان جرماً قاتلاً. فذات يوم في أحد البلدان العربية ارتطم طفل لا يبلغ الخامسة من العمر بدراجته بصورة لزعيم كانت مثبتة على قارعة الطريق، فحلت المصيبة على أهله. فقد تم استدعاء ذويه إلى التحقيق لأسابيع وأسابيع، لا بل طـُلب منهم الذهاب إلى العاصمة مرات ومرات للمثول أمام أجهزة الأمن على مدى أكثر من عام لمعرفة الأسباب التي أدت إلى ارتطام الدراجة بصورة الزعيم، مع العلم أن الحادث كان عرضياً تماماً.
وتذكر إحدى النكات الشعبية أن رجلاً كان يهم بالصعود إلى الحافلة برفقة طفله الصغير، فإذا بالطفل يشاهد صورة الزعيم معلقة على الحافلة، فسأل الطفل أباه بصوت عال:"أليس هذه صورة الشخص المعلقة في منزلنا والتي تبصق عليها أحياناً يا أبي"، فصاح الأب بأعلى صوته:" يا ناس يا هو، لمن هذا الطفل". لقد آثر الوالد التبرؤ من طفله على أن يعترف ببصقه على صورة الزعيم في المنزل. 
لقد كان الإنسان العربي في بعض البلدان لا يشعر بالأمن والأمان إلا بعد أن يغيب رجال الأمن. تصوروا! فبدلاً من تأمين المجتمعات كانت بعض الأجهزة تنشر الإرهاب والهلع في جنباتها، وتتنمر على الشعوب كما لو كانت أعداءها.
لقد عاشت الشعوب رعباً مقيماً لعشرات السنين. لكن الزمن الأول تحول بشكل مدهش. لقد نفضت الشعوب بين ليلة وضحاها عن كاهلها الأصفاد، وألقت بخوفها في مزابل التاريخ، فشمرت عن سواعدها وراحت تحطم تماثيل طغاتها بباسلة عز نظيرها في كل الساحات والميادين غير عابئة حتى بالرصاص الموجه إلى رؤوسها وصدورها. وكم شاهدنا على الشاشات رأس تمثال هذا الحاكم أو ذاك وهو يتدحرج بين أقدام المتظاهرين وهم يضربونه بأحذيتهم ويدوسون عليه بنشوة عز نظيرها، لا بل إن بعض الشبان كانوا يطلبون من بعضهم البعض بعد دوس التماثيل بأقدامهم أن يغسلوا أحذيتهم فوراً لأنها، حسبما كانوا يرددون على شاشات التلفزيون، تنجست وتدنست من دوس تماثيل هذا الطاغية أو ذاك. وحدث ولا حرج عن مئات صور الزعماء التي مزقها، وداس المتظاهرون عليها بشحاطاتهم أثناء ثوراتهم في العديد من الدول العربية بعد أن كانوا يخشون من مجرد النظر إليها. وجدير بالذكر هنا أن أول مرة تم فيها تحطيم تمثال لطاغية عربي وتمزيق صوره وضربها بنعال "أبو تحسين" كان في العراق، لكن ليس على أيدي الشعب العراقي، بل على أيدي القوات الأمريكية. لكن هذه المرة الشعوب العربية نفسها هي من يقوم ببسالة عظيمة بمهمة تحطيم الأصنام والتماثيل وتقطيع الصور والرقص بنعالهم فرحاً فوقها في العديد من البلدان، في سابقة هي الأولى في العالم العربي منذ قرون. ولا شك أن بعض الحكام العرب أسهم في دفع الجماهير إلى التخلص من خوفها المقيم، فقد أفقرها وجوّعها وأرهبها، وبالتالي جعلها تتحدى الموت، لأنه لم يعد لديها ما تخسره في هذه الدنيا سوى قيودها وخنوعها. 
وحدث ولا حرج عن التخلص من الخوف من أجهزة الإرهاب المسماة زوراً وبهتاناً أجهزة أمن، فقد باتت الأجهزة اليوم ترتعب من مشاهد الجموع الحاشدة وهي تتحداها في كل حدب وصوب، وتهاجم مقراتها وفروعها، وتستولي على ملفاتها الوسخة. وحسبها اليوم أن تهنأ بساعة نوم كاملة بسبب الثورات العربية المجيدة التي زلزلت الأرض تحت أقدامها وأقدام أسيادها الطواغيت.
لقد قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر يوماً: "الأيادي المرتعشة لا تقوى على البناء، والخائفون لا يصنعون التاريخ". لهذا بقيت بلادنا العربية منذ عشرات السنين تتدهور على كل الأصعدة يوماً بعد يوم، لأن شعوبنا كانت تخاف حتى من صمتها. أما الآن فإنها ستكون بالتأكيد قادرة على البناء والنهوض والتطوير لأنها تخلصت من عقدة الخوف، ونقلتها إلى معسكر الحكام وكلاب صيدهم كما سماهم الشاعر عبد الوهاب البياتي.
كم كان أحد الفلاسفة محقاً عندما قال ذات يوم إن: "الشجاعة هي أم الفضائل، لأنه من دونها لا يمكن للمرء أن يمارس بقية الفضائل". والآن وقد امتلكت الشعوب العربية أم الفضائل، فهي قادرة على استغلال الفضائل الأخرى التي عطلتها أنظمة القهر والطغيان لعقود وعقود كي يستتب الأمن للحاكم ليمارس بطشه وإرهابه ونهبه وسلبه للأوطان، وليدوس البلاد والعباد إرضاء لشهواته الحقيرة في السيطرة والتحكم الفاشي برقاب الشعوب. تباً لحاكم أخصى الجميع كي يكون الفحل الوحيد في البلاد! تباً لطاغية لا يشعر بالاطمئنان إلا إذا أرهب كل الشعب من حوله!
لكن لا بأس! ها هي الشعوب وقد استعادت فحولتها المسلوبة وإرادتها المقهورة لتدوس حتى جلاديها السابقين. لا بل إن بعض الشعوب يهدد بنبش قبور الهالكين من الطواغيت مهما طال الزمن.
أحمق وابن أحمق ذلك الطاغية الذي يعتقد أن تماثيله ستبقى مكانها بقوة الحديد والنار واستسلام الشعوب، فالتاريخ صولات وجولات. وحكيم هو ذلك الزعيم الذي لا يفرض أصنامه قهراً على شعبه، فمن جاء قسراً يذهب كسراً. وسلامتكم!